سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني وآخرين
102
ضياء الخافقين
حوزته غير مبال بما يعرو جاره ويمسّ مساكنه من الدواهي والبلايا . وأنّ الخير عزيز قدره جليل مقامه ، لا تناله الإيدى إلّا بالتكافؤ والتعاضد ، فلمّا تفرقت الكلمة وتشتّت الشمل عجز كلّ عن استجلابه فاستخلفه الشرّ وعمّ جميع أقطار الشرق . ومن راجم أنّ الحرارة أرخت الأعصاب وأوهت الجوارح فتثاقلت الأبدان وفشلت القوي وخنست الهمم وساعدها على آثارها خصب الأراضي ووفير النعم ، فعدم الشرقي ملكة النشاط والاجتهاد ، عقم عقله من إجالة الأفكار لنيل الأوطار ففاته السعد والشرف . هذه هي آراء الحكماء في سقوط الشرق ، ولكلّ فيما رآه وجهة ، ولكن ليست تلك الأمور التي سردناها عللًا تامَّة للسقوط وإن كان لكلّ تأثير ما ، فإن الشرق قد تلبّس بها منذ نجم في بسيط الوجود وذكر اسمه في ألواح التاريخ وقد كانت له معها السعادة العظمى والكلمة العليا والشأن الرفيع والمقام المنيع . ونحن نعرض العلّة الحقيقيّة على الرغبة في عرصتها . وأمّا الآن فنكتفي بهذه الجمل الوجيزة : إنّ الفضائل هي الروابط التي تجعل متكثرات الآحاد في هيئة جامعة وصورة وحدانية بها تتشكل العائلة وعليها تقوم الأمّة ، وهي قد انعدمت من الشرق . وإن الرذائل هي حقيقة التقاطع وماهيّة التلاشي . ولقد تمكّنت في الشرق من النفوس حتّى لا تسع غيرها ، ترى كُلّايدور علي محوره ، وهو في مركزه لا يتبع إلّاهوسه ولا ينظر إلّاإلى نفسه . ومهما يكن السبب لهذه الخيبة والخذلان فالعلاج حصر في عزائم نفوس أبيّة فذت ذواتها وتجردت عن شؤونها لا تقوم إلا لخطبة ولا تعقد إلّاللوعظ ولا تمشي إلّاجهادا في سبيل الأمّة وذودا عن حقوقها حبّا في إسعادها . ومن لنا بهذه النفوس وبلغت القلوب الحناجر وكاد القنوط أن يرخي ستاره وأوشك أن يقضي عدل الحق بالموت الأبدي . إنا للَّهو إنّا إليه راجعون ولا حول ولا . ( خليل ) * ( قد وردت إلينا الرسالة الآتية من مكاتبنا في بغداد كما ذكر في المراسلات ) :